الشيخ محمد رشيد رضا

289

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هداية الاسلام في تحرير الرقيق وأحكامه قد شرع اللّه تعالى لابطال الرق طريقتين : عدم تجديد الاسترقاق في المستقبل ، وتحرير الرقيق القديم بالتدريج الذي لا ضرر ولا ضرار فيه ( الطريقة الأولى ) منع الاسلام جميع ما كان عليه الناس من استرقاق الأقوياء للضعفاء إلا استرقاق الاسرى والسبايا في الحرب التي اشترط فيها ما تقدم بيانه من دفع المفاسد وتقرير المصالح ومنع الاعتداء ومراعاة العدل والرحمة « 1 » وهي شروط لم تكن قبله مشروعة عند المليين ، ولا عند أهل الحضارة فضلا عن المشركين الذين لا شرع لهم ولا قانون ، ولست أعني بالاستثناء أن اللّه تعالى شرع لنا من هذا النوع من الاسترقاق كل ما كانت الأمم تفعله معاملة لهم بالمثل ، بل شرع لأولي الامر من المسلمين مراعاة المصلحة للبشر في امضائه أو إبطاله بأن خيرهم في أسرى الحرب الشرعية بين المنّ عليهم بالحرية والفداء بهم ، وهو نوعان فداء المال وفداء الأنفس ، إذا كان لنا أسارى أو سبي عند قومهم ، وذلك قوله تعالى الذي أوردناه في قواعد الحرب ( فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ) « 2 » ولما كنا مخيرين فيهم بين إطلاقهم بغير مقابل والفداء بهم ، جاز أن يعد هذا أصلا شرعيا لابطال استئناف الاسترقاق في الاسلام ، فان ظاهر التخيير بين هذين الامرين ان الأمر الثالث الذي هو الاسترقاق غير جائز ، لو لم يعارضه أنه هو الأصل المتبع عند جميع الأمم ، فمن أكبر المفاسد والضرر أن يسترقوا أسرانا ونطلق أسراهم ونحن ارحم بهم واعدل كما يعلم مما يأتي . ولكن الآية ليست نصا في الحصر ، ولا صريحة في النهي عن الأصل ، فكانت دلالتها على تحريم الاسترقاق مطلقا غير قطعية ، فبقي حكمه محل اجتهاد أولي الامر ، إذا وجدوا المصلحة في إبقائه أبقوه ، وإذا وجدوا المصلحة في ترجيح المن عليهم بالحرية وهو ابطال اختياري له أو الفداء بهم عملوا به

--> ( 1 ) راجع المقصد الثامن من فقه القرآن ص 276 ( 2 ) ص 153